Tuesday, May 26, 2015

رامبو وآخرون: اتكاءة الشعراء في بلاد الحبشة

 في شتاء العام 1880، غادر الشاعر الفرنسي آرتور رامبو ميناء عدن مثقلاً بغربته وأحزانه، وبأكياس البن الخولاني وصناديق البنادق، ليبيعها في سوق هرر، عاصمة الحبشة لما يقارب ألف عام، التي كانت تمثل في محيلة الأوروبيين نهاية العالم المعروف لديهم في ذلك الوقت. إذن؛ سار الشاعر المتعب والمريض متثاقل الخطى على حافة العالم، وربما كان مرهقاً من الشعر ذاته، حيث لم يكتب ولا قصيدة في إثيوبيا التي قضى فيها أحد عشر عاماً، بل سجل خواطره في "الرسائل"، تلك التي كانت آخر ما كتبه قبل أن يموت؛ مئات الخطابات التي دمج فيها، بنعومة، السيرة الذاتية بأدب الرحلات. في قصائده الباريسية الأولى تبرز سخرية رامبو من رجال الدين والسياسة، لكن انتهى به المطاف ليفخر بصداقته للحكام ورجال الدين الذين يملأون جنبات البلاط الإمبراطوري الإثيوبي وهو يلبي طلب الإمبراطور منليك الثاني بشحنة أسلحة دحر بها، في ما بعد، الجيوش الإيطالية الغازية في معركة لم يعش رامبو ليشهدها، إلا أنه التقى وصادق حاكم إقليم هرر؛ راس كونين، من سيصبح ولده الإمبراطور الأخير؛ هيلاسيلاسي. 



يقع القصر الإمبراطوري على بعد مئات الأمتار من المتحف الوطني في أديس أبابا. وفي ساحة المتحف يوجد تمثالان فقط؛ أحدهما لهيلاسيلاسي، وعلى يساره يقف تمثال نصفي للشاعر الروسي بوشكين، أدير رأسه نحو مدينة هرر، مسقط رأس جده من جهة الأم؛ إبراهام جانيبال، الذي مات بوشكين قبل أن يكمل كتابة سيرته الذاتية التي عنونها بـ Peter the Great's Negro، التي أرادها احتفاء بجده الحبشي يشبه احتفاء إثيوبيا به حد وضع تمثاله جوار تمثال من يظنه البعض إلهاً.. يا لحظ الشعراء! 




كان رامبو في سوق مدينة هرر يبيع الأسلحة، ولربما باع مسدساً شبيهاً للذي قتل به بوشكين في مبارزته الخاسرة. يذكرني مصرع بوشكين بمصرع شاعر آخر؛ شاعر فارس، أو فارس شاعر؛ هو عنترة بن شداد، أو كما كان يسميه قومه؛ عنترة بن زبيدة، أو ابن الحبشية الذي مات متكئاً على رمحه اتكاءة الشاعر على قصيدته. يقول ستيفن سبندر عن الشعر: "أعظم الشعر هو ما يكتبه شخصٌ يجهد نفسه ليذهب إلى أبعد مما يمكن". رامبو وبوشكين وعنترة ذهبوا بعيداً في المكان والزمان، ليلتقوا في اتكاءة على بلاد الحبشة.  


Rejected Rohingya



Thursday, April 23, 2015

بورتريه الهادي ألوان : العلم الأمريكي مُلتبسا


بقلم: سليمان الكامل

أمريكا جرح غائر في أعماقه.سكنها دون أن تطأها قدماه.لم يكتف بمجرد التخيّل والتوهّم والفنتازم الذهني بل مرّ إلى التجسيد والمعايشة. أصبحت الفكرة جسدا متماسكا ومادّة مرئيّة ملموسة رغم غرابتها وأخذ الحلم موقعه في الواقع رغم الخطورة. لُقّب بـ " الهادي ألوان " لما يحمله فوق جسده من الألوان ونجوم متراقصة عوّض بها الملابس المتعارفة واختار بها لنفسه سلوكا يوميّا غريبا.

الهادي علوي هو مواطن تونسي من مدينة " الرقاب " ثلاثيني يلبس العلم الأمريكي منذ سنوات طويلة. تعبيرة فرديّة نادرة ، فمن تسوّل له نفسه أن يلبس عَلَما طالما اقترن بالحروب و الاستعمار؟ الهادي لا يلبس إلاّ هذا العَلَم يخيطه ويفصّل منه ملابس للعمل وملابس للنّوم والراحة ولكلّ مناسبة ما يلائمها من تشكيل. يظلّ ساعات

 في محلاّت الملابس القديمة يبحث عن العلم الأمريكي أو قطعا منه أو نجومه، يستعملها متمّمات للتأثيث والزّينة. يمشي في هدوء وتوازن بين أهالي المدينة ويتحرّك مندمجا منصهرا مع هذا الاختيار الرّاديكالي في اللّباس الذي ألفه وصار سرّ سعادته ووسيلته في إثبات ذاته ، فالملابس قالب يُعطي للجسد هويّته وهي جلد ثان بعد القشرة اللّحمية ، شديد الالتصاق بها وفي علاقة حميميّة معها.

لست هنا بصدد محاكمته أو إدانته ولم أكتب هذا النصّ إلاّ نقلا للحقيقة في سبيل مُساءلتها، فيكفيه ما لَقِـيَه من عنف اجتماعي وعائلي وأمني.صار اللبس لُبسا و بينه وبين الهوّية هُوّة و عاش الهادي بيننا مستلبا مسلوبا،منع من استخراج بطاقة الهوية أمام اصراره القهري على هذه الملابس دون غيرها. تمّ إيقافه عديد المرّات لكن لم يجدوا ما يُدينه فالقانون يضمن حرّيّة الملبس ولمّا يئس النّظام من ردعه تركه للهرسلة الاجتماعية اليوميّة فأُفرد إفراد البعير المعبّد  وتمّ عزله إلاّ من قلّة قليلة من الأصدقاء المتعاطفين فصار نشازا وهامشا لا مكان له في مدينة مازالت تحافظ على روابط اجتماعيّة حميمة. مُنع من دخول المسجد أحيانا وأطرد ولُعن وشُتم مرّات عدّة.

كثيرا ما أوقع نفسه في خطر رغم أنه ليس عُصابيّا ولا انتحاريّا ،  فهو شخص هادئ مُحبّ للحياة . كائن أخلاقي بامتياز ، كثيرا ماحدّثني عن نفاق المجتمع والكذب المتفشّي والمغالطات والجبن والتّكلّف والزّيف والبهتان وعن العيون التي تراقبه خلسة. يعرف جيّدا أنّه مختلف وأنّهم نمطيّون وأنّه ملاحق وأنّهم محميّون وأنّه صادق وشجاع وأنّهم خائفون. هو لا يهتمّ بهم رغم الإساءة. ظلّ وحيدا يُواجه الجميع ومصيره المحتوم بالفقر والحرمان، فإضافة إلى الانحياز الاجتماعي ضدّه فقد مبكّرا كلّ أفراد عائلته وعاش وحيدا لا تشمله عدالة الأرض ولا عدالة السّماء.

حكاية " الهادي " أشبه بالعُقد الدّراميّة التاريخيّة الكبرى التي تُبنى على خرافة بسيطة أقرب إلى السّذاجة والطّرافة ، كمن أراد أن يعوّض أباه ويتزوج أمّه أو من أصرّ على حمل حجر إلى أعلى الجبل أو من أراد التقاط  صورته في الماء. لم تكن كتابة الأسطورة وتوراثها عبر الأجيال مجرّد حنين واسترجاع للماضي بل مُحمّلا في طيّاته دروسا للحاضر وإشارات إلى ارتباط الواقع بالخيال.

تراجيديا " الهادي ألوان " لا ترتقي إلى بطولة بل هي بساطة حريّة بالنّظر والتفحّص. فما أتاه لن يعدو إلاّ نزوة لو التزم بالعُرف الاجتماعي ولانْـتَفَت الحكاية دون أن تُثير أحدا ولَكان الهادي رقما في تاريخ الإنسانيّة لا فرادة فيه. لكن هذه الفرضيّة لا شرعيّة لها وفي عمقها استهتار لا يرتقي إلى فهم الفعل العبثي وفي حالة التّسليم بها سنمنع سيزيف من المحاولة ونطلب من أوديب التّعقّل والتزام العُرف الأخلاقي ونحكم بوأد كل المحاولات والتّجارب الوجوديّة القُصْوويّة، فنخسر بذلك مفعولها الرّوحاني والنّفسي والتّعليمي.



إنّ درس " الهادي ألوان " هو الحرّيّة الفرديّة في حدودها القُصوى ممّا يهيّئ أرضيّة للاختلاف والتّفرّد وتترك فرصا للانفلات والتّجاوز. هو صورة من بين نماذج كثيرة يُمكن أن تُعدمها السّلط الاجتماعيّة وتمنعها من التّجريب والمحاولة. لقد اختار أن يعبّر سلميّا وعلنيّا فما الذي يجعلنا نعاقبه بكلّ هذه القسوة والجفاء؟ ألا تستحقّ هذه التجارب استيعابها وتفهّمها بدل عزلها ومُحاصرتها؟ ألا تستحقّ منّا قليلا من التّسامح؟ ألا تمثّل تمرينا مجتمعيّا بسيطا في القبول بالرّأي المخالف؟ كيف لمن يرفض اختلافا شكليّا أن 
يقبل اختلافات جوهريّة ؟

مازالت مثل هذه التّجارب في بلادنا مهجورة حتّى من قِبل المثقّفين من علماء الاجتماع والفلاسفة و الفنّانين ، يتجاهلونها رغم أنّها أرضيّة خصبة متعدّدة الأبعاد وعميقة.
يحدث أن يحمل شخص ما علما رمزا يستحضر من خلاله مدلولا متجذّرا فيه ، كأن يلتحف علم البرزيل رمزا للنّصر الرّياضي أو علم كوبا تمثُّلا للصّراع ضدّ الرّأسمالية وعلم فلسطين المقاومة وعلما أبيض للسّلام . لكن ما أتاه الهادي تجاوز هذه العادات السّلميّة المعهودة في استحضار الرّمز ونواياه النّبيلة إلى تناقض قطبيّ حادّ وضع حياته في خطر وجعل منه منفيّا في وطنه.

للرمز خطورته عندما يتحوّل إلى وجود فعلي و للتعبير إحراجات عندما يخرج إلى النّاس وللتّفكير آثاره البليغة إذا حفر في الجسد الاجتماعي. هذا درس آخر يمكن أن نستشفّه من تجربة الهادي باعتبارها تكتيكا ممكنا في التّواصل والتّفاعل والاحتجاج ، فهو بصدد تقديم خطاب مباشر للجماهير دون تَخَفٍّ أو تقيّة أو تورية أو أي وسائل تجميل: هو الهادي علوي الآن وهنا في مدينة الرقاب يلبس العلم الأمريكي، مما أقلق طمأنينة المؤسّسات الاجتماعية و السياسية وكَشَف عن ضيق صدرها وقِصَر نظرها. كما كشف لنا من حيث لا ينوي انحصار الفكر و توحّده في دوائر ضيقة و " أبراج عاجيّة " بعيدا عن التفاعلات الاجتماعيّة الحيّة والمباشرة ، أي أنّ الإنتاجات الفكريّة مازالت متعالية بعيدا عن " اللحمة الحية ".

 فما الذي  يمنع الفنون من النّزول إلى الشّارع ؟ ما الذي يجعل المسرح سجينا للعلبة الايطالية؟ وما الذي يحصر الفنّ في قاعاته وقنواته محفوظا؟ وما الذي يمنع الفكر من النّزول إلى الفضاء العام للفعل والتّفاعل؟ ألا تُعدّ هذه التجربة تكتيكا مُمْكنا لمن ينشد تغييرا مجتمعيّا؟

مازال الهادي إلى اليوم يلبس "أمريكا" رغم بعض التطوّرات الإضافية فلم يعد يلبس من العَلَم فقط بل أضاف صُورا لنجوم ومشاهير على طريقة " البوب آرت " في الستينات الذي احتفي بالوجوه كعلامة استهلاكيّة وإشهارية تسويقيّة شعبيّة. هذا ما يجعل الشِّفرة اليوميّة )اللّباس(  تُحيلنا إلى مشروع جمالي مبتور ومُنبتّ عن المنظومة الشفراتية الاجتماعية و تُسقط الهادي في غُربة  مكثّفة انثربولوجيا واجتماعيّا وجماليّا وتطرح أكثر من سؤال حول تفشّي نزعات وتعبيرات وظواهر فردانيّة في صفوف الشّباب تستحقّ التوقّف والسّؤال.

Tuesday, February 10, 2015

كوازاكي - توفيق بن بريك - "جثث حلوة تشرب نبيذا جديدا"

بورتريه طلال الناير

كتب مالارميه كتابا قضى فيه عمره كاملا و تركه دون أيّ نظام ، مفتوحا ، سائبا يمكنك دخوله من أيّ صفحة. كل صفحة بداية ونهاية ، أولى وموالية ، سابقة ولاحقة ، لا ضرر في تغيير النّظام. التّتالي ليس قانونا داخليّا صارما بل على العكس اللاّنظام هو السّمة البنيويّة الرئيسيّة. لا يبدأ النصّ ولا ينتهي. في حركة دائمة تجعله يدور حول نفسه، هكذا ينطلق كوازاكي توفيق بن بريك من نفس الجملة التي انتهى بها " قصدت طاطاوين لأمر لا يهم ". هي الجملة الافتتاحيّة والاختتاميّة التي تفضح عبثيّة المقاصد و تُعرّي استخفافا وجوديّا بالوجود. فما يهمّ هو مغامرة الكتابة وهي جملة تعلّة وسبب من أسباب نزول النصّ. كتابة للكتابة بعيدا عن الضّوابط والنّواميس اليوميّة والوظيفيّة الهادفة والنّاجعة. المشي في سبيل المشي لا غير. الحركة في حدّ ذاتها غاية وإن كانت سيزيفيّة وتعود بنا الى نقطة البداية. يعيش كوازكي هذه الرّحلة أدبيّا وبانتباه وحرص على كلّ الدّقائق والتّفاصيل، شاهدا بطريقته "الحكواتيّة" الدّقيقة على ما يجري رغم أنّها تنقّل حرّ متغيّر أشبه ب"زابينغ" سريع اختزالي يكثّف المعنى في كلّ جملة على حدة دون التّعويل على ما بعدها. الجملة رحلة ومفردة مستقلّة بذاتها لها أهميتها و قدرتها ووحدتها وعمقها. النصّ مفتوح متشظّ تنشطر فيه الجمل صورا متجاورة بفضل " تلصيق أدبي " يُعيد الى أذهاننا لعبا سرياليّا قوامه بناء جماعي لِجُمل لا يجمع بينها سوى رابط البنية (فعل+فاعل+مفعول به / مبتدأ + خبر ) دون اهتمام برابط المعنى مما أنتج عند هؤلاء السّرياليّين " جثثا حلوة تشرب نبيذا جديدا " غير أن لعب توفيق بن بريك  يعيدنا إلى واقع الواقعيّة عاريا كما هو و يرتق من بقايا المعيش اليومي صورا وإحالات تدغدغ فينا قراءة ذهنيّة.
يقطع الكاتب قصدا حبل الأفكار كي لا يعود إليها. يسري في ذهنك ينبش في ذاكرتك ولاوعيك مناطق كامنة يلقي فيها أفكاره " العنقوديّة " ويغادر . يرُشّ قوله رشا فيتطاير في كل المستويات.تولد الكتابة كعشب طفيلي مُتشعب مُتشابك منفلت ينبت من حيث يُقطع.  يُشتت سبل الاسترسال والتّواصل ، فنصّه قادم من كلّ المجاهيل وكلّ الاتّجاهات كمن يسجّل آليا كلّ ما يسمعه من ضجيج المدينة ( كلام ، قهقهات ، نشرة الأخبار، مباراة رياضيّة، أغنية تونسيّة...) ثمّ يقوم بتركيبها وتوليفها كقطع "البيزل". محاولة التّركيب " العفويّة " هي اختيار تجريبي واع من الكاتب ، لقد أراد للنصّ أن يكون خارج المنظومات المعهودة للعمارة الأدبيّة وهَندسه بشكل " باروكي " يمكنك دخوله من كل المنافذ.النّظم هدم وتفكيك والجُمل علامات اشهاريّة مضيئة وإشارت منع و تنبيه و تورية و تعرية وشعارات رنّانة لا يمكن تجاوزها إلاّ بعد توقّف طويل. نركن معها إلى إحالات متعدّدة مجتمعة فيها فهي منحوتة من عمق حداثة متجذرة في هويّة الكاتب معادية لكل فكر واحد متوحّد دفاعا عن التنوّع و التعدّد ( الفهم أن لا تفهم (ص75) - القلم والرّيف لا يتقابلان (ص88) - السّلطة طير كاسر (ص62) - القلم لا يساوم (ص83) – ينزل المسافر ليوم السؤال (ص81)- لا يعرف ما يحب.يعرف مالا يحب (ص73)... )
  هذا النصّ موقّع بجسد الكاتب وذاكرته وتفاعلاته فقط ، هو نصّ من جنس الكاتب لا من صلب الأدب ، والسّير فيه ليس على نهج الأدب بل على إيقاع الكاتب وانفعالاته و رغباته لتجد نفسك في حضرة الكاتب لا أمام الكتابة. نصّ استرجاعي توليفي كثير الإحالات والشواهد ، يستحضر جلال الدّين الرومي وماركس وأمل دنقل وناديا كومانتشي ودرويش ومحمد علي كلاي والشيخ إمام وابن خلدون ونزار قباني وصالح الخميسي ورامبو والغزالي وبيكيت وأفلاطون وبيتهوفن وجورج أرويل وسركون بولص وغارسيا ماركيز ومحمد عبد الوهاب ودوستويفسكي وشكسبير ومظفر النّواب وعلي بن عياد وصالح القرمادي وناظم حكمت والتوحيدي وتشيخوف ومالك حدّاد... (أكثر من مائة  شاهد في 150 صفحة ).حفل استضاف فيه توفيق بن بريك من تذكّرهم لحظة الكتابة فأنزلهم منازل لم يتعوّدوها فتواصلوا دون تكلّف أو "بروتوكول" ، تجاوروا ، تحاوروا في هدوء وطمأنينة تجاوزوا حدود الزّمن والجغرافيا والاختصاصات  والفوارق. يمرّ بينهم الكاتب بسلاسة وخفة  مفاجئة. يجاور بين الأدب والرياضة والأغنية الشعبية والشّعر والرّسم والسّينما والخرافة والأسطورة والنّصوص الدّينية والمسرح......
  يتكلم لغة فصحى ودارجة متنقلّا بينهما دون حواجز. يُحيل إلى المحلّي الضيّق والذاتي وإلى الإنساني الكوني ، لا يفرّق بين ما أنجزته الانسانيّة من مآثر كبيرها وصغيرها ، الإبداعي الفنّي الفلسفي الفكري المتعالي والشّعبي الأرضي البسيط ، فلا فرق بين درس قدّمه محمّد على كلاي للإنسانية وبين ما تركه مفكّر صوفي من شعر و تجلّيات.
   هذا النصّ نصوص متداخلة متعانقة ، مصاب بداء الحداثة و مابعدها من " بلبلة " تعدّت فرضيّة التكلّم بلغة واحدة إلى هوية شتات وشذرات ، " مُلفّق " من كلّ الاجناس ، " مُلقّم " من جماليّات عدّة.فهل يكون بورتريه أدبي لصاحبه أم بورتريه لتاريخ الأدب؟ صورة الكاتب أم صورة الكتابة؟ ماذا لو نزعنا عنه هذا الحضور الموسوعي للمراجع؟ هل يستطيع التجرّد من الكتب ليكتب؟
ورق الكتابة مرآة يقف أمامها توفيق بن بريك ليحلم و يتأمّل ويتذكّر ويهذي ويصف ويتوهّم ويأمل دون أن تتطوّر الأحداث أو تتقدم ولا تتغير الشّخصيات ولا تتبدّل فهو عرض لصور وجهيّة وذاتيّة من زوايا نظر متعدّدة وتصوير "فانتازمي" لواقع الكاتب والكتابة في أسلوب اعترافي لم يُبق من السّرد إلاّ خيوطا دقيقة حدّ التلاشي . لا نيّة للكاتب في الحكي  مكتفيا ببعض الوضعيّات الدراميّة ( هو مع أبنائه - هو مع الدرّاجة - هو في طريق العودة - هو يشتهي أكلا - هو يحلم- هو يتذكّر طفولته ). الصفحتان 32 و33 هما بمثابة "سينوبسيس" يُقدم فيه نفسه وزوجته وأملاكه و طبيعة علاقاته لينقطع بعدهما حبل الحكي ويحلّ محلّه تداع حر وهذيان وخطب وأحلام ومرافعات....
يقول الكاتب البريطاني  سيدني سميث " عندما أنظر إلى كتاباتي يتراءى لي أنّ مجموعة من النّمل خرجت من المحبرة وعبرت الورقة دون أن تجفّف أقدامها ". دبيب النّمل هذا شاء له بن بريك أن يكون اختيارا بنيويّا وهاجسا للرّبط والجمع والتّوليف فتولد الجمل سيلانا انفعاليّا وقفزا عشوائيّا في هواء الكتابة. يسمح بقول كلّ ما يجول بخلده بكلّ حرّيّة فتمشي نملاته بسرعات متفاوتة وفي كلّ الاتّجاهات تتقدّم وتتأخّر وتعود من نفس الطّرق لتترك مسارب " متاهة " منسوجة كتشقّقات فجئيّة على سطح بلّور، جروح على جلد حائط قديم ، وتجاعيد متموّجة على جبين الورقة. هذا النصّ مقروء ومرئي كذلك فقد اختار له الكاتب إخراجا داخليّا للجمل والفقرات متنوّعة الأحجام والأشكال ، فالكلمة مكتوبة تأخذ مكانها ، تخلق شكلا والجمل مرسومة ، تتمدد وتتلوّى بين صفحات الكتاب لتتعمّق ديناميّة البنية شكلا ومضمونا وتحرّك في القارئ نشاطا يُخاطب كل حواسّه. تنزل رغبة التنقّل والترحّل إلى مستواها الشّكلي الظاهري.فقد اعتبر الشّاعر والرسّام هنري ميشو أنّ شخوصه تخرج من المحبرة دون إذنه لتتساقط على بياض الورقة. يظلّ يراقبها مستمتعا في تجلّ كصوفي مخمور. هذه الكتابة " العضويّة " يتورّط فيها صاحبها قلبا و قالبا وتحلّ فيه كأنفاسه شهيقا وزفيرا سهلا سلسا مُريحا. يكتبها لكم مثولوجيا شخصيّة تحوّل الحميمي إلى عمومي والذاتي إلى موضوعي والخاصّ إلى مشترك ، و هذا الكتاب طبخة وصفها لكم بنَفْسِه و نَفَسِه احتفاء بالذات مكتوبة مقروءة مرئيّة. حياتكم فيها ما يهمّ . اكتبوها. الكتابة تقاوم " الحڨرة " والنسيان، ضد الخسوف و الخنوع. ارفع رأسك . تكلّم . اُكتب. كُن كما أنت كاتب مواطن حر. لا خوف بعد الكتابة.



سليمان الكامل /المعهد العالي للفنون الجميلة بسوسة تونس
فيفري 2015
هذا المقال نشر بموقع ميل ايست أونلاين هنا  وفي مدونة الكاتب هنا


Friday, January 9, 2015

Ali Douagi


Ali Douagi, or Ali al-Du'aji, (Arabic: علي الدوعاجي‎) (January 4, 1909 - May 27, 1949) was a Tunisian literary and cultural icon who is considered to be one of the pioneers of modern Tunisian literature.

Wednesday, October 22, 2014

فريمبونغ: انفجار الخيال



نُشِرَ هذا المقال بصحيفة العربي الجديد يوم الأربعاء 22 أكتوبر 2014
...................

طلال الناير

شّكل الحا


في سبعينيات القرن العشرين، حدث انفجار موسيقي في غرب أفريقيا، بالصعود الجماهيري لموسيقى الهايلايف، ومركز ذلك الانفجار كان غانا، تلك المستعمرة التي أطلق البريطانيون عليها اسم (ساحل الذهب). في غانا، كانت مدينة كوماسي، وما تزال، أحد مصادر الفخر القومي، فهي تمثل عاصمة مملكة الأشانتي العريقة، مسقط رأس أهم الموسيقيين في غانا: Alhaji Kwabena Frimpong أو الحاج كوامبينا فريمبونغ، الذي رحل في مثل هذا اليوم قبل تسعة أعوام (18 أكتوبر 2005).

غانا مهد موسيقى الهايلايف التي تتميز بالجيتارات متعددة الإيقاعات، حيث انتقلت منها إلى سيراليون، ثم نيجيريا وليبريا، وكل الدول الناطقة باللغة الإنجليزية في غرب أفريقيا. إلا أن التنافس فيها انحصر بين موسيقيي غانا ونيجيريا، حيث عكف عدد من الفنانين على تطوير هذا النمط الموسيقي، منهم الموسيقار الغاني (كوابينّا بوا-آنبوسيم)، مؤسس فرقة بالم واين ميوزيك. كانت الهايلايف موسيقى الضواحي الفقيرة والمهمشة، ولكن فريق أورينتال براذرس إنترناشونال باند، الذي أسسه (سير وويريار) قام بنقل هذه الموسيقى إلى الأندية الليلية، والنوادي الراقية في نيجيريا، فاكتسبت زخماً جماهيرياً.

بعض نُقّاد الموسيقى يعتبر أن الهايلايف ولد على يد عازف الترومبيت الشهير (فيكتور أوليايا)، خلال حقبة الستينيات،عبر إعادة إنتاج وتوزيع بعض الإيقاعات التراثية ووضعها في قوالب موسيقية جديدة. إذ عمل على إدخال الآلات الموسيقية الغربية، وعكف على محاولة فرز الدرجات اللونية للألحان المتنوعة، وإعادة ضبط التسلسلات الوترية للغيتارات البرتغالية، لتناسب القوالب الموسيقية الأفريقية.

سيشهد العقد الثاني من السبعينيات إزدهاراًمع موسيقيين مثل (باباه كِن أوكولولو)، و(فيلا كوتي). إلا أن حقبة الثمانينيات مثَّلت قمة جماهيرية هذه الموسيقى، وكانت أبرز وجوه ذلك الجيل الموسيقي النيجيري برينس نيكو إمّباراغا، والغاني دادي لومبا، وأورلاندو أوشا. تؤدى أغاني الهايلايف غالباً باللغة الإنجليزية، ولكن بعدما انتشرت جماهيرياً راحت تظهر تصنيفات فرعية منها في كل بلد، وأصبح هناك تنوع لغوي كبير في نصوصها المغناة، فصار بعضها بعض يؤدى بالفرنسية، وبلغات الإيبو، واليوروبا، والهوسا، ولغة أكان.

على سبيل المثال، في نيجيريا، انصب اهتمام بعض الموسيقيين على أداء أغانٍ بلغة شعب الإيبو، فأضحى هناك فرع يسمى Igbo Highlif، وتحت هذا التصنيف تم وضع عدد من الفنانين من أمثال سير وويريار، شِيف إستيفان أوساديبي، وبرايت شيميزياه، إلا أن الحاج كوامبينا فريمبونغ كان يؤدي أغانيه بخليط من اللغة الإنجليزية ولغة Akan المنتشرة في أقليم الأشانتي، والتي يتحدثها نصف سكان غانا.

في العام 1977، وبعد سنوات من التجريب وإصدار الأغاني المنفردة، قام فريمبونغ بتجميع ألبوم (Obi Agye Me Dofo) الذي يحتوي على مجموعة مختارة منتلك الأغاني. لم يحصر نفسه مع فرقة معينة. ، هكذا، ومن أجل تسجيل أعمالع الفنية، لجأ بداية إلى فرقة Vis-A-Vis التي قام بتأسيسها الموسيقي آيزاك إيوبا في مدينة كوماسي. 

كانت تلك الفرقة تضم أفضل موسيقيي غانا في ذلك الوقت، مثل عازف الجيتار سامي كروبر، وعازف الباض سليم ياو. بعد ذلك تعاون مع فرقة The Cubano Fiestas التي إنبثقت من فرقةVis-A-Vis  وضمت الفرقة الجديدة أغلبية أعضاءها، بالإضافة إلى احتضانها بعض عازفي الساكسفون الجدد مثل جورج أميسّا، جورج أبونا، وعازف الترومبيت آرثر كيندي بعد انفصالهم من فرقة الفنان إيبو تايلور.عرف الألبوم الأول لفريمبونغ شهرة كبيرة بفضل أغنية "Kyenkyen Bi Adi Mawu" التي تعني حرفياً بلغة أكان: "قوة انفجار الخيال" والتي ساهمت بنقل تجربته للعالمية.

اعتمد (فريمبونغ) في موسيقاه على الآلات النفخية كالترومبيت والساكسفون، لكونه عازف ترومبيت في الأساس، رغم إجادته العزف على الجيتارات الكنغولية، والآلات الوترية بشكل عام. كان فريمبونغ مقلاً في إنتاجه الموسيقي؛ صاباً كل تركيزه على الإصدار النوعي وليس الكمي؛ لذا لم يصدر في حياته سوى ثلاثة ألبومات فقط، آخرها قبل وفاته بثلاث سنوات.

فترة السبعينيات كانت تجريبية ومنفتحة على كل الأساليب، فعبرت تأثيرات موسيقى الديسكو، وإيقاعات الأمريكي جيمس براون، عبر المحيط الأطلسي نحو الشرق، كما عبرت الموسيقى الأفريقية غرباً إلى الأمريكتين، وكان الهايلايف هو الوعاء الذي انصهرت فيه كل هذه الأساليب الموسيقية في تلك الحقبة. مثّل فريمبونغ نقلة مفصلية في تاريخ الموسيقى الغانية التي بدأت بالانتشار على المستويين الإقليمي والعالمي.

أم حقبة الثمانينياتا فيمكن القول انها شكلت خطوة نوعية في موسيقى فريمبونغ، إذ تميز في الألبوم بتأثير نمط الـ Afrobeat الذي أسس له الموسيقي النيجيري فيلا كوتي. كما أنتج (فريمبونغ) على فترات متباعدة بعض الأغاني وفقاً لنمط الـ Afro-Cuban. باختصار، جمعت تجربة الحاج كوامبيا فريمبونغ بين الأصالة والمعاصرة عبر أغان رومانسية تتمتع، وما تزال، بشعبية جماهيرية، مشكلةً انفجاراً موسيقياً انطلقت ألحانه من كوماسي لتتناثر في أنحاء أفريقيا.





Friday, August 8, 2014

فيلا كوتي.. عودة إلى "جمهورية الأوغاد"

طلال الناير

فيلا كوتي (1938 ـ 1997) ليس مجرّد موسيقي انحصر اهتمامه، كمعظم الموسيقيين عبر العالم، بتأليف الموسيقى وتأدية الحفلات. فإلى جانب ابتكاره أسلوب الآفروبيت، أمضى سنوات طويلة من حياته في السجن بسبب نشاطه السياسي، وثار على كل شيء: والده المعلّم، والدته النسوية، إرث عائلته الأرستقراطية، الكنيسة، وخصوصاً الجنرالات الذين تعاقبوا على حكم وطنه نيجيريا. هنا تتبع لأبرز محطات مساره الثوري والإشكالي والصاخب، بمناسبة مرور 17 عاماً على وفاته في مثل هذا اليوم. في العام 1977، اعتقلت قوات المخابرات المركزية (.C. I. D) في نيجيريا كوتي وأودعته في أحد سجون مدينة لاغوس، بعد إطلاقه ألبوم Zombie. بعد ذلك، منعت حكومة الجنرال أتشيامبونغ في غانا موسيقاه في البلاد لأن المتظاهرين كانوا يتغنون بها أثناء المظاهرات. في ذلك السجن كانت هناك زنزانة أسماها المعتقلون "جمهورية كلاكوتا". بعد إطلاق سراحه، منح كوتي هذا الاسم لمقر إقامته وأعلن قيام دولة مستقلة عن نيجيريا؛ فكانت الجمهورية المايكروسكوبية الجديدة ملجأ لكل المتشردين الذين كانوا يأتون للأكل وتدخين الماريجوانا مجاناً. كلمة Kalakuta هي تحوير كاريكاتيري لكلمة Calcutta التي تعني في اللغة السواحلية "الأوغاد". أثناء وجوده في السجن، قرر كوتي أن يصبح وغداً لاعتباره أنها الطريقة المثلى للتعامل مع النظام السياسي والعسكري الفاسد. وذات يوم، قال أحد أعضاء البرلمان النيجيري له: "إن قلّدك خمسة الآف شخص ستسود الفوضى"، فرد الموسيقي عليه: "لا، بل ستصبح ثورة!". في 18 شباط/ فبراير 1978، اقتحمت قوات الشرطة "جمهورية كلاكوتا" وأحرقوها، وأصيب كوتي بكسور متعددة، وأُتلِفت كل الأسطوانات الموسيقية وخامات الأفلام التي كان يعمل عليها. كما رمت عناصر الشرطة والدة الموسيقي من الشرفة فدخلت في غيبوبة لثمانية أسابيع ثم توفّيت. ما دفع كوتي إلى الذهاب بجنازة أمه إلى مقر إقامة الجنرال أوباسانغو، وإلى إصدار أغنية تخليداً لهذا الحادث الأليم بعنوان "Coffin for Head of State"، أي "كفن من أجل رأس الدولة"؛ رأس الدولة الذي نجح في تحطيم فردوس التحرر الذي كان يحلم به مواطني "جمهورية الأوغاد". 



ثورة كوتي كانت شاملة، بدأها بإيقاف دراسته للطب في إنجلترا ليدرس الموسيقى، خلافاً لمسيرة شقيقيه بيكو وأويكويي. ثم ثار على أبيه الذي عمل على ترسيخ اللغة الإنجليزية ـ من موقعه كأول رئيس لاتحاد المعلمين ـ باعتباره شريكاً في تكريس الاستعمار الثقافي في نيجريا، قبل أن يثور على إرث أسرته الأرستقراطية التي نال أحد أفرادها، ويلي سونيكا، جائزة نوبل للآداب؛ وكان كوتي يسميه "Boss Wole" ويظن بأن الـ CIA تقف خلف نيله هذه الجائزة! ثار الموسيقي أيضاً على تاريخ والدته، الناشطة النسوية الشهيرة "فينوميلاي رانسوم كوتي"، فأضحى من أبرز الرافضين للحركة النسوية وتزوج من 27 امرأة كان يسميهن "الملكات". وإلى جانب ذلك، كان معادياً للكنيسة بشكل صريح ويعتبرها ـ كبقية المؤسسات الدينية ـ من رموز الاستعمار الثقافي. نضال كوتي في نيجيريا كان من أجل أفريقيا التي كان يراها رازحة تحت عبودية الرأسمالية الدولية وديون البنك الدولي ووكلاء الاستعمار من الحكومات الإنقلابية غير الشرعية. فنانٌ بوهيمي، كان يتنقل بباص كبير لإنجاز رحلاته كي لا يقع فنّه تحت رحمة تمويل الآخرين. في ذلك الباص، صحب فرقته الموسيقية وزوجاته وأطفاله، وكذلك صناديق الحشيش. ولاحقاً ثار كوتي أيضاً على من تأثر بهم في بداية مسيرته الموسيقية، فتخلّى عن القوالب الموسيقية التي وضعها جون كولترين ومايلز ديفيز وسوني رولينز. وحين انتقل للعيش في مدينة لوس أنجلوس، كان يذهب للاستماع إلى موسيقى كينغ بلايشر. لكن لدى عودته إلى نيجيريا، بدأ بالاستماع إلى الألحان التقليدية والانغماس في الثقافة المحلية، فأمسى أكثر وعياً بالألحان والإيقاعات والدرجات اللونية والتسلسلات الوترية والتأثيرات الفردية لكل آلة موسيقية. ومنذ ذلك الحين، بدأ يتعامل مع الموسيقى كرسالة ثورية ولسان حال للاشتراكية والـ"بانافريكانيزم"، وسعى إلى تأدية موسيقى ذات معنى، تتحدى الزمن وتنحو بعيداً عن النمط الاستهلاكي، موسيقى تتجذّر عميقاً في قلب أفريقيا. وفي هذا السياق، ابتكر كوتي موسيقى الآفروبيت بالتعاون مع عازف الطبل توني آلن، وهي عبارة عن مزيج من الأنماط الموسيقية التي تأثر بها: الجاز والفانك والهايلايف. موسيقى أراد من خلالها استشراف المستقبل؛ لذا قام بتغيير اسم فرقته من Koola Lobitos إلى Nigeria 70، أي موسيقى الستينات التي تسعى إلى احتلال السبعينات، ثم إلى Egypt 80 للفت النظر إلى الطابع الأفريقي للحضارة المصرية. 

ظل كوتي يتنقل بين السجون والمعتقلات حتى أطلق الجنرال إبراهيم بابانجيدا سراحه عام 1985. لكن لم تمض فترة حتى قامت السلطات بمحاكمته، فحكم القاضي جورجي اكورو-إدوغو عليه بالسجن عشر سنوات. ولدى تلاوة الحكم، نظر كوتي إلى القاضي وقال له مبتسماً: "أنا لن أتوسل إليك".
عاد كوتي إلى السجن في عهد الجنرال ساني أباتشا ورفض كل الوساطات للتصالح مع الأنظمة العسكرية حتى وفاته في الثاني من آب/ أغسطس 1997. كان يقول عن الأنظمة العسكرية: "إنهم لا يرقصون فقط على أنغام موسيقاي، بل تسير خطوات جنودهم عليها مثل المارشات العسكرية". وكان يسخر من فساد الحكومة بجملة تهكمية يختصرها بـ "C.A.C.M.L.S.N.H.N.N.N.F.S"، التي يمكن ترجمتها بـ"كُلْ وامسح فمك كأن شيئاً لم يحدث فهذا تعريف جديد لمعنى السرقة". وفي إستاد لاغوس، قال مرة لجمهور حفلته متحدثاً عن الجيش: "لماذا تخافون من العسكر؟ قاتلوهم، إن ملابسهم مجرد قماش خاطه الحائك نفسه الذي خاط ملابسكم!".
باختصار، تفاصيل حياة فيلا كوتي تتّسق تماماً مع أفكاره التي يمكن إيجازه بجملة قالها مرة للجماهير المحتشدة أمامه في أحد ملاعب كرة القدم: "أنا لا أريد ترك بصمة في العالم، أريد تغيير العالم نفسه".

...................

نشد المقال بصحيفة العربي الجديد

Pran Kumar Sharma


Pran Kumar Sharma ( 15 August 1938 - 5 August 2014), better known as Pran, was an Indian cartoonist best known as the creator of Chacha Chaudhary (1971).[1][2] He also created other characters like Shrimatiji, Pinki, Billoo, Raman, and Channie Chachi. The Chacha Chaudhary character has been fondly remembered as a man whose mind works faster than a computer. "Chacha Chaudhary ka dimag computer se bhi tez chalta hai" was a famous line in the comic series.

Wikipedia

Saturday, July 5, 2014

José Saramago - Colors








سراماغو: انتصار الروح العرجاء


طلال الناير

في منفاه على جزيرة لانزروتي الإسبانية القاحلة، كانت جدران منزل الكاتب البرتغالي الأشهر، تزدحم بلوحات وصور لخيولٍ جامحة؛ كانت خيول زيزيتّو، اسم التحبب للطفل جوزيه دي سوزا سراماغو، الذي انتقل في عمر الثامنة ليعيش في منزل خالته ألفيرا، زوجة أحد الحراس في مزرعة موتشاو دي بايكس.

كانت قرية أزينهاجا غارقة في فقر مدقع، لذا، وبمقاييس قرية ذات تاريخ إقطاعي راسخ، فقد كان فرانشيسكو دينيس – زوج ألفيرا - رجلاً أرستقراطياً مقارنة بمن هم دونه في التراتبية الاجتماعية للقرية، ولكن بالنسبة إلى الطفل زيزيتّو، كان أهم ممتلكات زوج خالته هو الحصان، الذي كان الطفل يتحرق لامتطائه، إلا أنه لم يخطر في بال فرانشيسكو أن يدعو الفتى لاعتلاء صهوة الجواد، وفي ذات الوقت كان الكبرياء الصبياني يمنعه من السؤال.

يصف سراماغو، زوج خالته، بأنه كان رجلاً متسلطاً في المنزل، ولكنه كان في غاية الأدب والتملّق عندما يتعامل مع من يعلونه في التراتبية الاجتماعية. حدث ذات يوم أن قام فرانشيسكو دينيس بوضع طفلة أحد الضيوف فوق الحصان، لكي يتملق أسرتها، وسار الرجل أمام الحصان للترفيه عن الطفلة المدللة، فيما كان الطفل جوزيه يقف بعيداً شاعراً بالإحباط والخزي.

بعد ستين عاماً من هذه الحادثة، في العام 1991، نشر سراماغو إحدى أفضل رواياته، وهي (O Evangelho segundo Jesus Cristo) أو (الإنجيل تبعاً لرواية يسوع المسيح). تم ترشيح الرواية لجائزة آيرستاين للآداب في ذلك العام. كان سراماغو يعيش – حينها - فترة إحباط وضغوط من كل الجهات، فمن جهة كان الكاتب الملحد يقاتل بيمناه الكنيسة الكاثوليكية في البرتغال الفخورة بالـ(سنتواري ناسوناو دي كريستو هاي)؛ ذلك التمثال الذي يعرف اختصاراً بتمثال (المسيح الملك)، الذي يقف منتصباً في ساحة ألمادا، حارساً لحصن الكنيسة الكاثوليكية المنيع في البرتغال، ذلك الحصن الذي اقتحمه سراماغو وفتح فيه النار بلا رحمة. في ذات الوقت كان سراماغو الشيوعي يقاتل بيسراه قوى اليمين السياسي الذي اكتسب انتعاشة كبيرة بعد انهيار جدار برلين، حيث تقدمت الكتلة اليمينية في البرلمان بحماس لحظر ومصادرة الرواية التي تقدم رؤية نقدية ساخرة عن المسيحية.

رئيس الوزراء البرتغالي حينها – أنيبال كافاكو سيلفا– قام باستغلال الضجة التي أحدثتها الرواية، فضغطت الحكومة البرتغالية والفاتيكان على الاتحاد الأوروبي، ليضطر لسحب ترشيح الرواية لجائزة آيرستاين للآداب، وكانت السابقة في أن الرواية هي الأولى التي تتم مصادرتها بعد عودة الديمقراطية للبرتغال عقب ثورة 1974 ضد الديكتاتور سلازار، وللمصادفة، كما خرجت رواية سراماغو من الجائزة بسبب الرقابة، فقد فازت بالجائزة في ذات العام رواية أخرى عانت كذلك من الرقابة؛ رائعة جيمس جويس (Ulysses) الفائزة بجائزة الترجمة التي قام بها اليوناني سوكراتس كابسيسكيز. رواية (عوليس) كانت محظورة في الولايات المتحدة، وذلك لأنها "شهوانية ومثيرة للغرائز"، ولم يتم رفع الحظر عنها حتى شهر ديسمبر من العام 1933 بأمر من قاضي المحكمة جون إم ولسي، لتنشر النسخة الكاملة لأول مرة بعد ثلاثة أسابيع فقط من إصدار الحكم.

في تلك الحقبة كان سراماغو شخصاً غير مرغوب فيه، فحكومة اليمين البرتغالي كانت تتطلع للانضمام إلى عالم ما بعد سقوط جدار برلين، وكانت تسعى إلى الابتعاد عن إرث الاشتراكيين والحقبة التي حكموا فيها البلاد، وكان سراماغو أحد رموز تلك الحقبة، فلم يجد من خيار سوى الخروج من البرتغال إلى منفاه الاختياري في جزيرة لانزروتي البركانية القاحلة. العداء الذي كان يكنه اليمين البرتغالي لجوزيه سراماغو استمر حتى بعد وفاته، حيث رفض الرئيس البرتغالي حضور جنازته بسبب مواقفه المعادية للكنيسة الكاثوليكية، وفضّل الرئيس أن يقضي ذلك اليوم في منتجع فخم، ربما للاحتفال بموت سراماغو!

بعد الرحيل إلى لانزروتي، بدأ سراماغو في إعادة تدوير الإحباط وتحويله لطاقة دافعة؛ تماماً كما كان يفعل طيلة حياته. لم يكن الإحباط يعني شيئاً كثيراً للطفل الذي ولد في فقر مدقع وعاش في فاقة جعلت أسرته تخرجه من المدرسة رغم نبوغه الظاهر، ليصبح ميكانيكياً فقيراً تمشي الصراصير فوق جسده ليلاً، ولكنه بدأ في تأهيل نفسه ليصبح صحافياً ثم مترجماً، ثم يبدأ مشواره الجاد في الكتابة بعدما تجاوز الخمسين، فكما يقول سراماغو إن الندم على الأشياء لا يفيد، الندم المفيد هو التغيير.

بدأ سراماغو يعمل على مشروعه الأدبي الأهم: إعادة اكتشاف العامل الإنساني والقوة الهائلة التي يحملها. فأخذ بنمط كتابة يعتمد على سبر أغوار الشخصية الإنسانية، وهذا هو النمط الغالب على أعماله في (الحقبة اللانزوتية). النزعة الأناركية لدى سراماغو تبدو جليةً في روايتي (العمى) و(البصيرة)، حيث تظهر حقيقة النفس البشرية مع زوال السلطة، فيتواجه البشر مع ذواتهم المشوهة التي لم يشاهدوها من قبل، ويخرج أسوأ ما في الإنسان مع سيادة الفوضى وامتلاك البعض للسلطة المطلقة.

يقول سراماغو: "اليوم بيتي ممتلئ بصور الخيول. ومن يزورني لأول مرة يسألني إن كنت فارساً، بينما الحقيقة أنني ما زلت أعاني آثار السقوط من سرج حصان لم أمتطه أبداً. ربما لا يلاحظ هذا من الخارج، لكن روحي تسير عرجاء منذ سبعين عاماً." عندما دخلت القوات الأمريكية للعراق قام سراماغو بالمشاركة في مظاهرة معارضة للحرب، وكان يتحدث للمشاركين في المظاهرة فقال لهم إن العالم الآن توجد به قوتان: أمريكا والإنسان. ومن الجلي لأن رهان سراماغو الأكبر ظل على انتصار الإنسان. يقول سراماغو: "من السهل الوصول إلى المريخ، لكن من الصعب الوصول إلى أنفسنا"، فهو يظن بأن الخير والشر لا بداية لهما، فبداخل عقولنا يكمن كل شيء، بما فيه انتصار روح الإنسان، وإن كانت عرجاء.